محمد متولي الشعراوي

1260

تفسير الشعراوي

الكون ما يثبت صدق الملائكة ويؤكد صدق اللّه ، فإذا ما نظرنا نظرة أخرى نقول : إن الحق أطلقها على نفسه وقال : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ؛ وجعلها كلمة التوحيد وجعل الأمر في غاية اليسر والسهولة والبساطة ؛ فلم يشأ اللّه أن يجعل دليل الإيمان بالقوة العليا دليلا معقدا ، أو دليلا فلسفيا ، أو لا يستطيع أحد أن يصل إليه إلا أهل الثقافة العالية ، لا ، إن الدين مطلب للجميع ؛ من راعى الشاة إلى الفيلسوف ؛ إنه مطلوب للذي يكنس في الشارع كما هو مطلوب من الأستاذ الجامعي . فيجب أن تكون قضية الإيمان في مستوى هذه العقول جميعا ؛ فلا فلسفة في هذه المسألة ، لذلك شاء الحق أن يجعل هذه المسألة في منتهى البساطة فأوضح اللّه : أنا شهدت ألا إله إلا أنا ، فإما أن يكون الأمر صدقا وبذلك تنتهى المشكلة ، وليس من حق أحد الاعتراض ، وإن لم تكن صدقا فقولوا لنا : أين الإله الآخر الذي سمع التحدي ، وأخذ اللّه منه ذلك الكون ، وقال : أنا وحدى في الكون ، وأنا الذي خلقت ، ثم لم نسمع ردا عليه ولا عن معارض له ، ألم يدر ذلك الإله الآخر ؟ إذن فذلك الآخر لا ينفع أن يكون إلها ، فإن علم ذلك الآخر ولم يدافع عن نفسه وملكيته للكون فإنه لا يصلح أن يكون إلها . وتصبح القضية للّه إلى أن يظهر مدع ليناقضها ، ف « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » كلمة حق ، وبالعقل والمنطق هو إله ولم نجد معارضا . وقلنا سابقا إن الدعوى حين تدعى ولا يوجد معارض حين نسمعها تكون لصاحبها إلى أن يوجد المعارض . وضربنا مثلا : نحن مجتمعون في حجرة ، عشرة أشخاص ، وبعد ذلك انصرفوا فوجد صاحب البيت حافظة نقود ، فجاء واحد متلهفا وقال : لقد ضاعت منى حافظة نقود . فقال له صاحب البيت : وجدنا حافظة ولكن كان هنا عشرة ، فلما جئ بالعشرة ، وسئلوا لم يدعها أحد ، إذن فهي له . إن اللّه قد قال : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ، فإن كان هناك إله آخر فليظهر لنا ، لكن لا تظهر لنا إلا قوة اللّه « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » وما دام لا إله إلا هو ، وهذا الكون يحتاج إلى قيومية لتدبيره ، فلا بد أن يكون حيا حياة تناسبه ، لأنه سيهب حيوات كثيرة لكل الأجناس ، للإنسان وللحيوان وللنبات وللجماد ، إذن فالذي يوجدها لا بد أن يكون حيا ولا بد أن تكون حياته مناسبة له .